موقف العلماء

بسم الله الرحمن الرحيم

 

البيان الذي أصدره علماء ليبيا حول الأوضاع الراهنة، وأزمة النفط، كان مُسَدَّدًا، صادقا معبرا، قويا صارما، أمينا مسؤولا، حَمَّل فيه المسؤولية أولا للمعتدين بغيا وعدوانا على الشعب الليبي بأسره في ثروته، بدعاوى مزعومة، تَبَيَّن من التواصل الطويل للوفود التي توجهت إليهم من كل أنحاء ليبيا على مدى ستة أشهر لحل الأزمة - أنه ليس لديهم مطالب قانونية، وإنما هي مطالب شخصية، من جماعة محدودة، تؤدي سريعا إلى عدم الاستقرار، وتقسيم البلاد، وإشعال فتنة حرب أهلية، للتقاتل على الثروة والموارد والحدود، كما رأيناه قريبا منا في السودان وفي غيرها، ليجد المجتمع الدولي المبرر للتدخل، فنعود إلى خطر الوصاية بعد أن نجانا الله منها.

لا شك أن الدفع في مشروع النفط ومشروع التقسيم يقدم خدمة مجانية لفلول النظام المنهار، بل يبذلون الغالي والنفيس في دعمه والوقوف معه.

 فلا عجب أن كان وَقْعُ بيان العلماء عليهم وَقْعَ الصاعقة! فشاهدنا منهم - وربما من غيرهم ممن تراه يقدم خدمة مجانية للثورة المضادة من حيث لا يدري - شاهدنا هجمة شرسة على علماء البيان، الذين أدوا ما عليهم بأمانة، وبلغوا رسالات ربهم بجدارة، ولم يخشوا أحدا إلا الله، وأثبتوا أنهم ليسوا علماء سوء، ولا شيوخ سلاطين، بل علماءُ حق، قالوا كلمتهم لولاة الأمر واضحة، وحَمَّلوهم المسؤولية كاملة، بسبب تفريطهم في هيبة الدولة، والسماح لجماعة خارجة عن القانون بالاستمرار في التلاعب بأموال الأمة والاستيلاء على النفط لصالحها بقوة السلاح.

ولعل غربة الدين انعكست على موقف العلماء، فبدلا من أن يُشاد بموقفهم، وتُقَدَّر في الحق شجاعتُهم  سَمَّعتهم الثورة المضادة الإسطوانة المشروخة! المملولة المكرورة! في عبارات مقززة لم يعد يصدقها أحد:

(إخوان ... أتتهم تعليمات من قطر)

(استخدام الدين لصالح الإخوان) 

(فتوى بتحريض أن يقتل الليبي المسلم أخاه المسلم من أجل النفط)

(كان عليهم أن يتكلموا على حصار الوزارات وقتل أطفال بنغازي) ... إلى غير ذلك.

العلماء الذين تكلموا في بيان النفط يعرف القاصي والداني أنهم تكلموا مرارا وتكرارا يدينون القتل في بنغازي وفي غيرها.

ودار الإفتاء وحدها تكلمت في هذا وأدانته أكثر من خمسين مرة!

 

ويعلم القاصي والداني كذلك أن ارتباط هؤلاء العلماء إنما هو بدينهم أولا، ثم بوطنهم، وأنه ليس لهم إلا أجور وظائفهم التي تأتيهم من ولي الأمر، لا من غيره، ومع ذلك واجهوه وحملوه المسؤولية، ولم يؤثروا رضاه ويجاملوه، حرصاً على أمانة الدين والوطن!

وإذا كان هؤلاء العلماء الذين يعيشون على وظائفهم عملاء لقطر! فماذا يكون من يستولي على نفط ليبيا ويحاول تهريبه عن طريق إدخال بواخر غير شرعية لموانيه؟!

وإذا كانت فتوى العلماء تحرض على الفتنة والقتال من أجل النفط، فماذا تتوقعون إذا توقفت مرتبات ملايين الليبين ليضعها بضعة مئات من الخارجين عن القانون في جيوبهم؟! فهل تراهم سيستقبلونهم بالزغاريد ويحيونهم بالورود؟! فمن الذي يُشعل نار الفتنة لاقتتال الإخوة؟ الظلمة أم الشيوخ الذين ينادون برفع الظلم؟!

لماذا هذا التضليل والتلبيس على الناس بقلب الأمور وتزييف الحقائق؟!

ولماذا سكوت النخب، والإعلام المسؤول، والعقلاء، وأولياء الأمور، والأعيان، وشيوخ القبائل، على ما يفعله أبناؤهم بليبيا؟

ألا يدركون أن عواقب ما يجري هو تقسيم ليبيا؟! أليس تقسيم ليبيا تدمير لليبيا كلها؟!

التاريخ يعلمنا أن التقسيم لن يكون أحد فيه الكاسب، وأنه لا يتوقف عند شرق وغرب وجنوب، بل سيكون للشرق شرق وغرب وجنوب، وللغرب كذلك، وللجنوب، فهل هذا يرضي العقلاء وأولياء الأمور في الشرق أو في الجنوب؟!

أليست وحدة الأمة من ثوابت الدين؟!

ووحدة ليبيا من ثوابت الثورة التي مات من أجلها أبناء ليبيا؟!

أليس حصار النفط لو علق الآن على التو فإن آثاره الفورية قد خربت عددا كبيرا من الآبار لن تعود للإنتاج - إن قُدِّرَ لها - إلا بعد عدد من السنين؟! من المسؤول عن هذا الخراب والدمار يا ترى؟!

أهم العلماء، أم من يؤيد الحصار؟!

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

الجمعة 15 ربيع الأول 1435 هـ

الموافق 17 يناير 2014

 

التبويبات الأساسية