(التعقيبُ على التعقيباتِ)

بسم الله الرحمن الرحيم

(التعقيبُ على التعقيباتِ)

 

الحمد لله، وبه أستعين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

نشرتُ مقالًا بعنوان: (الانضمامُ إلى الأممِ المتحدة) ردًّا على شُبَه الغُلاةِ، الذينَ يُكفِّرون كلّ الحكوماتِ الإسلاميةِ المنضَمَّة إلى الأممِ المتحدة، بحجةِ أنّها حلفٌ يَحْكُم بغيرِ شرع اللهِ، يتحكمُ فيه غيرُ المسلمينَ، وفي الانضمامِ إليهم موالاةٌ لهم.

قلتُ في المقالِ: هذا لا يستلزمُ الكفرَ ضرورةً؛ لأنّه لا يأثمُ امرؤٌ بحليفِه، كما جاءَ في وثيقة المدينةِ، بينَ النبي صلى الله عليه وسلم وبينَ اليهود، وأنّ الموالاةَ للكفارِ، التي هيَ كفرٌ؛ شرطُها الميلُ إلى دينِ الكافرِ، والرّضَى به، وذكرتُ شهودَ النبيّ صلى الله عليه وسلم حلفَ الفضولِ مع المشركينَ، وثناءَه عليه.

فأُحيلَ إليَّ من صفحة دار الإفتاء بحث طويل،  (رابط الكلام)  يتضمن تعقيبات على المقال، بقلم: عبد الله الإدريسيّ، لعله كتبها بدافع ما يراه من الحرص والغيرة على الدين والمسلمين.   

عزمت في هذا التعقيبِ على تناوُلها، والردِّ عليها، عسى الله تعالى أنْ ينفع به، ويجعله كافيا.

وعادتِي أن أُعَنِّي نفسي بالرد مرةً واحدة؛ لتوضيحِ وإزالةِ احتمالِ لَبْسٍ في الكلامِ السابق، ولا أزيدُ على ذلك، حتّى لا يتحولَ ما يُرجَى نفعُه وأجرُه إلى سجالٍ ولجاجٍ.

وهذه سبعُ مقدّماتٍ، تتقدمُ المقصودَ وتدلُّ عليه:

 

1- المقالُ الذي نُشر عن الأمم المتحدةِ، ليس هو في سياقِ التبريرِ لأعمالِ المنظمةِ، وهيمنةِ الدولِ الكبرى عليها، ولا هو للدفاعِ عنها.

فكونُ الأممِ المتحدة أداةً، تستعملُها الدولُ الكبرى في محاباةِ بعض الدّول، والتسلطِ على أخرى، بفرضِ العقوباتِ والحصارِ، أو بالاجتياحِ العسكريّ أحيانًا، بحُججٍ واهيةٍ، ومزاعمَ لا حقيقةَ لها، هذا ليس موضوعَ المقالِ، ولا هو منهُ في وِرْدٍ ولا صدرٍ.  

فلا ينبغِي استغلالُ هذه التجاوزات الدوليةِ، تحت غطاءِ الأمم المتحدة؛ للإطنابِ في تصويرِ مقالي السابقِ، وكأنه يدافعُ عمّن يستعملُ هذا الغطاءَ الدوليّ، لظلمِ الشعوبِ الضعيفةِ المغلوبةِ، ومنها الدولُ والشعوبُ العربيةُ.  

 

2- وجودُ الأمم المتحدةِ بهذه الصورةِ ليس خيارَنا، ولا نحنُ الذينَ صنعناهُ، ولكنه نظامٌ فرضَهُ علينا الواقعُ، شِئنا أم أَبَيْنا.

والمقال الذي نُشر، هو لمعالجةِ الواقع - الذي وَجَدَ المسلمون أنفسهم فيهِ، مغلوبين على أمرِهم - معالجةً وفقَ الدليلِ الشرعيّ، على وجهٍ يُبقيهم مسلمين، لا أن يُتخلّص منهم بالحكمِ عليهم جميعًا بالكفر، بجرّةِ قلمٍ، فالتشدّدُ في الأحكامِ سهل، ولكن ليس هو الفقه، بلِ الفقهُ؛ كما يقولُ سفيان الثوريّ رحمه الله تعالى: "الرّخصةُ مِن الثقةِ، أمّا التشدّدُ فيُحسِنُه كلّ أحدٍ".  

 

3- ما يُسمى بالمجتمع الدولي، يمارسُ الآن - مِن خلالِ الأمم المتحدة - صُنوفًا كثيرةً مِن العقوباتِ، غير الاجتياحِ العسكريّ؛ اقتصادية ومالية، يمكنُ أن تُعَرِّضَ الدولَ الضعيفةَ الممانعةَ للكبارِ إلى الموتِ البطيءِ؛ بالحصارِ، وبمنعِ الغذاءِ والدواءِ والكساء، وبمنعِ السلاحِ والتقنية والاتصالاتِ والمعدّاتِ، وبمنعِ تحويلِ المالِ في البنوكِ، وقفلِ الأجواءِ والاتصالاتِ والمواصلاتِ والحسابات، وغيرِ ذلك مِن صنوف المنعِ مِن  ضروراتِ الحياة، ممّا يعني فعلًا الموتَ البطيءَ.

ومَن كانَ في حالةٍ من الضعفِ؛ كمَا هو حالُ المسلمينَ اليومَ، ليسَ له أن يستعدِيَ عدوَّه عليه، ليستبيحَ أرضَه وحرماتِه، ويدمرَ ديارَه.

النبيّ صلى الله عليه وسلم في أولِ الدعوةِ، حينَ كان المسلمون في مثلِ حالنا مِن الضعف؛ علّمَنا كيفَ نُخاطِبُ الدولَ الكُبرى المهيمنة، كانَ في رسائِلِه إليهم يخاطِبُ ملوكَهم: (إلَى هِرقل عظيمِ الرومِ)، يتألّفُهم، ولا يَستعدِيهِم. 

التعاملُ مع العدوِّ تحكمُه المصالحُ والمفاسدُ، والنظرُ في المآلاتِ نظرًا شرعيًّا مُدققًا، بفقهٍ وبصيرةٍ.         

 

4- تكفير المسلم؛ حكوماتٍ أو أفرادًا، لا يحلّ إلا بأمرٍ مجمعٍ عليه، واضحٍ وضوحَ النهار، لا لَبْس فيهِ ولا احتمالَ، والغلو في التكفير مِن أضرّ وجوهِ الغلوّ في الدينِ على الأمة؛ وهو مرتقًى صعب، تَقَحَّمَه الكثيرُ من شباب المسلمينَ، بدافعِ الحرصِ والغَيرةِ على الدين، أتَى من استعمالِ الدليلِ على غير وجهِه، دونَ فقهٍ كاملٍ بأحكامِه.

ولذا قالوا: "أَجرَأُ الناسِ علَى التكفيرِ أكثرُهم جهلًا بِه!".

 

5- على مَن أورد نفسه مواردَ التكفيرِ، أن يتَنبَّهَ إلى أمرينِ:

الأول؛ ما تواردت عليه أقوالُ الأئمة، مِن أنّ الفعلَ إذا كانَ له تسعةٌ وتسعونَ وجهًا تحتملُ الكفرَ، ووجهٌ واحدٌ يحتملُ الإيمانَ، فإنّه يُحمَل على الإيمانِ؛ لأنّ الأمّةَ لمّا أجمعَت على أنّ الحدودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهات، كان دَرْءُ الكفرِ بالشبهةِ أَوْلى.

ومِن كلام الشوكاني في هذا المعنى:

"اعلم أنّ الحكمَ على الرجلِ المسلم، بخروجِه من دين الإسلامِ، ودخولِه في الكفر؛ لا ينبغي لمسلمٍ يؤمنُ بالله واليوم الآخرِ أنْ يُقدم عليه، إلا ببرهانٍ أوضحَ من شمسِ النهار، فإنه قد ثبتَ في الأحاديث المرويةِ من طريق جماعةٍ من الصحابةِ، أنّ من قالَ لأخيه: يا كافرُ، فقد باءَ بها أحدُهما" [السيل الجرار:4/578].

 

الأمرُ الثاني؛ أنْ يُدرك الشاب المتدين الغيور، أنّ رَمْيَ غيره بالكفرِ قد يرجع عليه، فيهلك؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (أيُّما رجلٍ قال لأخِيهِ يا كافِرُ فقد باءَ بِها أحَدُهُما) [رواه البخاري]، ومعلومٌ أنّ الكفرَ يُحبطُ العملَ.

قال الشوكاني بعد كلامه السابق:

"فإن الإقدامَ على ما فيه بعض البأسِ لا يفعلُه مَن يَشُحّ بدينِه، ولا يسمحُ به فيما لا فائدةَ فيه ولا عائدةَ، فكيف إذا كان يخشَى على نفسِه إذا أخطأَ أنْ يكون في عدادِ مَن سماه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كافراً؟!" [السيل الجرار الموضع السابق]. 

 

6- المعقِّبُ على كلامِي - وفقني الله وإياه - نددَ بالخوراجِ، الذين عاثُوا تقتيلًا في الموحّدِين، كما يقولُ، وأنكرَ على مذهبِهم ومنهجِهم. 

ومعلومٌ أنّ مذهبَ الخوراجِ قائمٌ على التكفيرِ بالذنبِ، فهم لأجلِ ذلك يقتلونَ الموحدين؛ لأنّهم يرونَهم كفارا.

لكنّ (صاحبَ التعقيبات) هوَ في الوقتِ نفسِه يكفِّرُ جميعَ الحكوماتِ المسلمةِ؛ لأنّها منضمةٌ إلى الأممِ المتحدةِ!

فإذا حكَمنا على الحكوماتِ المسلمةِ بأنّها كافرةٌ، كما يقولُ، ومعظمُ رعايا هذهِ الحكوماتِ - مِن حيثُ الواقع - راضيةٌ بانضمامِ هذهِ الحكومات، وبالتالِي راضيةٌ بكفرِها، فماذا يكونُ حكمُ الرعيةِ عندَه وفقَهُ الله؟!

فإذا قالَ: الرّضى بالكفرِ كفرٌ، فبماذا اختلفَ قولُه وموقفُه في نهايةِ الأمرِ عنِ الخوارجِ، الذينَ أنكَرَ عليهم؟!

 

7- تمنيتُ ألا ينزلقَ (صاحبُ التعقيبات) - وفّقه الله - إلى أسلوبِ التهكمِ والاستهزاءِ، وبالأخصّ فيما له تعلقٌ بالدليلِ الشرعيّ، مِن مثل قولِه: "إنّه حلفُ الطبولِ في دارِ أوبامَا بنِ جدعان"، وذلك ردًّا على ما جاءَ في المقالِ، مِن الاستدلال بشهودِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حلفَ الفضولِ مع الكفارِ، في دار ابن جدعان، وثنائِه صلى الله عليه وسلم عليه.

تمنيت عليهِ ألّا يفعلَ ذلك، فإنّ التهكمَ في موضعِ الجدِّ ممَّن يَنشُد الحقَّ ليسَ مِن طريقِ الناصحينَ، ولا سبيلِ مَن يريدونَ بعملِهم اللهَ والدارَ الآخرةَ.

 

وقال في موضعٍ آخر: "وأصبحتْ تهمةُ الغلوِّ والخارجيةِ الآنَ علكةً تمضَغُها كلّ الألسنةِ"، فإذا لم يكنْ تكفيرُ كلّ حكوماتِ المُسلمينَ غلوًّا، فأينَ يكونُ الغلوّ؟  

 

بعد هذه المقدماتِ نأتِي إلى المقصودِ:

خلاصةُ ما بَنَى (صاحب التعليقات) - بارك الله فيه - عليه حكمَه في تكفيرِ الحكوماتِ المسلمةِ، المنضمةِ إلى الأممِ المتحدة، يرجعُ مجملُه إلى أمرينِ:

الأولُ - ميثاقُ الأمم المتحدة به مواد كَثِيرَة كفرية، مخالفةٌ لشرعِ الله، تبيحُ ما حرمَه الله تعالى، والانضمامُ إليها معناهُ رضًى بتحكيمِها، وتحكيمُ المسلم لغيرِ شرعِ الله تعالى كفرٌ.

وقال: إنّ القوانين الوضعيةَ في وقتِنا، هي بمنزلةِ الياسقِ، (الذي وضعَه زعيمُ التتار الملحد جنكيزخان).

ونقل (صاحبُ التعقيبات) أقوالَ أهلِ العلم في الياسق، وكفر مَن حكمَ به، عن ابن كثير وابن تيمية، وكذلك عن غيرهم من أهلِ العلم المعاصرين، كالشنقيطيّ وغيره.

وأنّ القوانين الوضعية في نظر (صاحب التعقيبات)، لا يشترط في كفرِ مَن حكم بها الاستحلال، كما لم يُشترط الاستحلال في كفرِ مَن سجد لصنم، ومَن استهان بالمصحفِ، أو سبَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم.

 

الثاني - قال (صاحب التعقيبات) - وفقه الله: في الانضمامِ إلى الأمم المتحدة  تعاونٌ مع الكفار، ودخول معهم في تحالفٍ تسيطر عليه دولٌ كافرةٌ معادية، فيكون المنضم  إليها عونًا لهم، ومواليًا ومناصرًا للكافرينَ على المسلمين.

 

قال: ولا يفيدُ المنضمَّ إلى الأمم المتحدةِ عزمُه على ألّا يفعلَ ما يخالفُ دينَه؛ لأنّ الْكُفْر في الأفعالِ الكفريةِ يقعُ بمجردِ صدورِ الفعلِ المكفِّر مِن صاحبِه، دون نظر إلى نيتِه وإرادتِه، ولا يشترطُ في الكفر بموالاة الكافرينَ الميلُ إلى دينِهم، والرّضا به، وقال إنه لا يعلمُ مَن هم المحققون، الذينَ شرطوا في كفرِ الموالي للكفارِ الرضَا بدينه.

هذا خلاصةُ ما ذكره في التعقيبِ على المقال. 

وتعقيباتُه هذه متعقَّبَةٌ بالآتي:

 

أولا - لا نسلِّمُ أنّ كل من ينضم إلى الأممِ المتحدةِ هو راضٍ بالتحاكمِ إلى غير ما أنزلَ الله، فيكون كافرًا، ولا أنّ كلّ مَن يعملُ تحتَ مظلةِ تحالفٍ، تسيطرُ عليه حكوماتٌ غير مسلمةٍ، هو كافرٌ بموالاتِه ونصرتِه للكافرينَ على المؤمنين.

لا نسلِّمُ ذلكَ للأسبابِ الآتية:

 1- لأنّ الميثاقَ الذي يوقِّع عليه المنضَمُّ إلى هذه المنظمةِ، تضمَّنَ النصَّ على أنّه لا يجبَرُ فيه أحدٌ على ما يخالِفُ دينَه.

فإذا كانَ المنضَمّ عازمًا على أنّه لا يعملُ بما يخالفُ دينَه، فإنّه ينفعُه ذلك، ولا يكون كافرًا بمجردِ انضمامِه، وينفعُه عزمُه على التحفظِ على كلّ ما يخالفُ دينَه؛ لأنّ هذا مما تنفعُ فيه إرادةُ الفاعلِ؛ كما يأتي.   

 

2- إذا كانت لا تنفعُ مَن يعملُ مع غير المسلمِ، تحتَ مظلةٍ واحدةٍ، إرادتُه وتصوُّنُه لدينِه، كما يقولُ (صاحبُ التعقيبات)؛ فما القولُ في نبيِّ الله يوسفَ عليه  السلام، حينَ قالَ لملك مصر: "اجعلنِي على خزائنِ الأرضِ إنّي حفيظٌ عليمٌ"، وأجابَه الملكُ: "إنكّ اليومَ لدينَا مَكينٌ أمِينٌ"، وملكُ مصرَ كافرٌ، على غيرِ دينِ اللهِ الذي عليهِ يوسف عليهِ السلام، ويعملُ بمَا يخالِفُ شرعَ الله؛ لقولِ الله تعالى: "مَا كانَ ليَأخُذَ أخَاهُ في دينِ الملِكِ"، أي: في شريعةِ الملكِ وقوانينِه وأحكامِه، فلم يعمَلْ يوسفُ بشريعةِ الملكِ في عقوبةِ السارقِ، وإنّما عملَ بما يوافقُ دينَ الله، ويحققُ له ما أرادَه مِن إخوتِه.

وفي هذا المعنَى يقولُ ابن تيمية:

"وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تَوَلِّي يُوسُفَ الصِّدِّيقَ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ لِمَلِكِ مِصْرَ، بَلْ وَمَسْأَلَتُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ، وَكَانَ هُوَ وَقَوْمُهُ كُفَّارًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: "وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ"، وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُ: "يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ"، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَعَ كُفْرِهِمْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عَادَةٌ وَسُنَّةٌ، فِي قَبْضِ الْأَمْوَالِ وَصَرْفِهَا عَلَى حَاشِيَةِ الْمَلِكِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَجُنْدِهِ وَرَعِيَّتِهِ، وَلَا تَكُونُ تِلْكَ جَارِيَةً عَلَى سُنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَعَدْلِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ يُوسُفُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ مَا يُرِيدُ، وَهُوَ مَا يَرَاهُ مِنْ دِينِ اللَّه، فَإِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ، لَكنْ فَعَلَ الْمُمْكِنَ مِن الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَنَالَ بِالسُّلْطَانِ مِنْ إكْرَامِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُ أَنْ يَنَالَهُ بِدُونِ ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتم" [مجموع الفتاوى:20/56].

 

3- ما تقدمَ يدلّ على أنّه ليس كلّ مَن تعاون وتحالفَ مع غير المسلمينَ، هو موالٍ لهم موالاةً توجبُ الكفرَ، كما ذهبَ (صاحبُ التعقيبات)، دونَ النظر إلى ما إذا كانَ التعاونُ أو التحالفُ مصحوبًا بالرّضا بدينِهم أم لا، ودون اعتبار إلى المآلِ المتوَخَّى مِن هذا التعاون، ففِي قصةِ يوسفَ وحلفِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينةِ أولَ الهجرةِ، تأسيسٌ لقاعدةِ التعاون مع غير المسلمين، وبيان أنّ مِن التعاون  ما هو مأذونٌ فيه.

 

وذكر صاحب التعقيبات - وفقه الله - في هذا السياقِ، أنه لم يعلمْ من همُ المحققون، الذينَ قالوا بتنويعِ الموالاةِ إلى الأنواع الثلاثةِ التي ذكرتها في المقال:

الأول: ما يقتصر على المعاشرةِ الحسنةِ، وَهَذَا مأذونٌ فيه باتفاقٍ؛ لقول الله تعالى "وصَاحِبهُما في الدّنيَا مَعْرُوفًا".

والثاني: نوعٌ لتحصيلِ مصالح دنيويةٍ خَاصَّة، دونَ محبةٍ وميلٍ لدينهم، كما حصلَ لحاطب بنِ أبي بلتعة رضي الله عنه، وهذا محرَّمٌ؛ لأنه يَجُرّ إلى الميلِ إليهم.

والثالث: الموالاةُ المطلقة، بما في ذلكَ الرّضا بدينهم، وهذا هو التولّي، الذي قَالَ الله تعالى عنه: "ومَن يَتَوَلّهُم مِنكُم فإنَّه مِنهُم".

 

ونسبْتُ في المقالِ تنويعَ الموالاةِ على هذا النحوِ إلى المحققينَ؛ لأنّ الأنواعَ الثلاثةَ المذكورةَ هي خلاصةٌ يرجعُ إليها كلُّ ما فصّلُوه في أحكامِ الموالاةِ، لا يكادُ كلامُهم يخرجُ عنها في الجملةِ، وممّن لخَّصَها في هذا التقسيمِ صاحبُ التحريرِ والتنويرِ، وصاحبُ التفسيرِ الكبيرِ، وغيرهما، في تفسيرِ قول الله تعالى: "لا يَتّخِذِ المؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ".

 

4- قال صاحبُ التعقيباتِ - وفقه الله: إن تحالفَ النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهودِ على النصرةِ، لا يصلحُ دليلًا على أنّ هناكَ نوعًا مِن التعاونِ مع الكفارِ مأذونٌ فيه اليوم؛ لأنه لم يكن في وقت تحالفِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مع اليهود مسلمونَ آخرونَ، غير مَن كانوا بالمدينةِ، حتى يخشَى عليهم مِن التحالفِ مع العدوّ.

وهذا الردّ متعقَّبٌ بأنّ الاعتدادَ في التحالفاتِ والاتفاقاتِ مع غير المسلمينَ، هو بما تحققُه مِن المصلحةِ العامةِ للمسلمين، فقد قبِلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن المشركينَ في صلحِ الحديبية، ما اشترطُوا عليهِ؛ مِن أن يَرُدّ إليهِم مَن أتاهُ مِنهم مسلمًا، ورَدَّ إليهِم يومَها أبا جَندَل وأبَا بَصير، وقدْ جاءاهُ مُسلمَينِ، فهاهُم مِن المسلمينَ في ذلك الوقت، وليسوا بالمدينةِ، وظاهرُ هذا الشّرطِ أنّه اتفاقٌ مع العدوّ فيه إضرارٌ ببعضِ المسلمينَ، لكنهُ احتملَ لمصلحةٍ عامةٍ أعظمَ، كانت عاقبتُها فتحًا  للمسلمينَ ونصرًا، أسقطَ دولةَ الشرك.

 

5- دلّ حديثُ عليّ رضي الله عنه، في قصةِ حاطب بن أبي بلتعة؛ على أنّه ليس كلّ تعاونٍ مع غير المسلمينَ هو موالاةٌ تُوجبُ الكفر، ودلّ على أنّ عدم إرادةِ الرضَى بالكفرِ مُعتبرَةٌ في التعاونِ مع غيرِ المسلمين، وتبادلِ المصالحِ الدنيوية معهم، حتى لو كانت هذه المصالحُ خاصةً، فلم يَلْزم حاطبًا حكمُ الموالاةِ المُوقعةِ في الكفرِ بمجردِ تعاونِه مع المشركين، بما كتبَه لهم مِن أخبارِ المسلمينَ، لحفظِ مالِه، ونَفَعَه عذرُه بأنّه كارهٌ لكفرِهم بقلبِه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لَعَلّ اللهَ اطَّلَعَ على أهلِ بدرٍ فقالَ: اعملوا مَا شِئتم، فقد غَفَرتُ لَّكُم)، يدلُّ على صدقِ كراهيتِه للكفرِ، وتمكُّنِ الإيمانِ في قلبه، لكنّه لا يدلّ على الخصوصيةِ؛ لأنّ الخصوصيةَ في الأحكامِ تحتاجُ إلى دليلٍ أصرَحَ.

وليس معنَى هذا أن التعاون مع غيرِ المسلمين إلى هذا الحد، لأجلِ المصالحِ الخاصةِ جائزٌ، فهو محرّمٌ؛ لأنّه قد يؤدّي إلى موالاتِهم لدينِهم، فيوقعُ صاحبَه في الكفر، لكن قَبُول عذرِه بأنه لم يفعلْ ذلكَ رجوعًا إلى الكفرِ، ولا خيانةً للمسلمين، دلَّ على أنّه ليست كلّ موالاةٍ هي كفرٌ، كما تقدم.

 

وعليه؛ فمَن انضمّ إلى ميثاقٍ فيه مسلمونَ وغيرُ مسلمين، وفيهِ ما يخالفُ شرعَ الله، ولا يجبرُه الميثاق على ما يخالفُ دينَه، ينفعُه عزمُه أنّه لا يلتزمُ مِن هذا الميثاقِ بما يخالفُ دينه، كما نفعتْ حاطبًا نيتُه أنّه لم يردْ كفرًا ولا خيانةً للمسلمين، وقد قَبِل النبيّ صلى الله عليه وسلم منه ذلك. 

6- صلح الحديبية:

في صلح الحديبيةِ درسٌ، لمن أرادَ أن يتعلمَ فنّ العلاقاتِ والاتفاقياتِ الدولية.

جاء في صلحِ الحديبيةِ عند البخاريّ؛ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دعَا الكاتبَ وقال له: اكتبْ (بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ)، قال سُهيل بن عمرٍو، وكان على وفدِ قريش: أمّا الرحمنُ فو اللهِ ما أدرِي ما هو، ولكن اكتبْ: (باسمِكَ اللهُم) كما كنتَ تكتُبُ، فقال المسلمونَ: والله لا نكتبُها إلّا (بسمِ الله الرحمن الرحيم)، فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: اكتب (باسمِكَ اللهُم) - أي: كما أراد سهيلٌ من حذف اسم الرحمن من الوثيقة - ثم كتبوا: (هذا ما قاضَى عليهِ محمدٌ رسولُ الله)، فقال سهيل: والله لو كنّا نعلمُ أنك رسولُ الله ما صددْناكَ عن البيت، ولا قاتلنَاك، ولكن اكتب اسمكَ واسم أبيكَ (محمد بن عبدِ الله)، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم للكاتب: اكتب (محمد بن عبد الله) - أي: كما أرادَ المشركون - ومحا نعتَ اسمه الشريف بالرسالةِ، وبيَّنَ قولُه: (واللهِ إنّي لرسولُ الله، وإن كذبتموني)، أنّ المسلمين قد يتنازلون لعدوهم عن شيءٍ مؤلمً على مضضٍ، لأجلِ مصلحةٍ أرجح، وأن موافقتَهم على محو جملة (رسول الله) لم تسلبه الرسالة، وقال: (لَا يَسْألونَني خطّةً يعظّمونَ بها حرماتِ اللهِ إلّا أعطيتُهُم إيّاها)، أي: لا يسألونني طلبًا وإن كان شديدًا قاسيا، يكون مآله تعظيم حرمات الله، بترك القتال في الحرمِ، وفيه إعلاء دينه؛ إلا أعطيتُهم إياه.

ثانيًا - سلّمنا أنّ المنضمّ إلى الأممِ المُتحدة التزمَ بقوانينِ الأممِ المتحدة، التي تحكم بغير ما أنزلَ الله، لكن لا نسلّمُ أنّ كلّ مَن التزم بالتحاكُم إلى القوانينِ الوضعيةِ يكفرُ كفرًا أكبرَ، في كلّ حالٍ.

وتوضيحُه في الآتي:

الأولى - جمهورُ أهل العلمِ من السلفِ والخلفِ، غير الخوارجِ؛ على أنّ مَن حكم أو ألزَمَ الناسَ بأحكامٍ مخالفةٍ لِما أنزلَ الله، تلزمُه الردةُ، إنْ اعتقدَ تفضيلَ ما يحكُمُ به على شرعِ اللهِ، أو كانَ ذلك مع جحودٍ أو استحلالٍ أو اسْتِخْفَافٍ أَوْ تَخْطِئَةٍ لِحُكْمِ اللَّهِ، أو حكمٍ  بغير ما أنزلَ الله على أنّه حكمُ الله.

أمّا مَن فعل ذلك غفلةً أو جهلًا، أو اتباعًا لهوًى، أو عجزًا، دونَ استحلالٍ، ولا استخفافٍ بحكم الله، فهو فاسقٌ، مرتكبٌ كبيرةً مِن كبائرِ الذنوب.

واشتراطُ الاستحلال على النحوِ المذكورِ في كفرِ مَن حكمَ بغير ما أنزلَ الله، هو قولُ ابنِ عباس وأصحابه؛ عكرمةُ ومجاهد وعطاء، وابنِ مسعودٍ وأصحابِه؛ علقمة ومسروق وإبراهيمُ، ولا مخالفَ لهم من الصحابةِ، في تفسيرِ قول الله تعالَى: (وَمَن لمْ يحْكُم بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ همُ الكافِرُونَ)، فهو في حكمِ الإجماعِ مِن أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأصحابُ النبيّ صلى الله عليه وسلم همْ أعلمُ الناسِ بكتابِ الله ومعانِيه؛ لصحبتِهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتِهم الوحيَ، وأعلمُ الناسِ بحقائقِ الإسلامِ ولوازمِه ونواقضِهِ. 

وهم في تفسيرِ الآية على قولين؛ الأول: أنّها في اليهودِ، الذينَ كتموا حكمَ الله في التوراة.

والثاني: أنّها في المسلمينَ، مع الاستحلالِ والجحودِ، أو أنّها كفرٌ دونَ كفرٍ، 
أي: كفرُ معصيةٍ. 

وهذِه أقوالُهم:

ففي أحكامِ القرآنِ للجصاص:

قالَ ابنُ عباسٍ: هيَ في الجاحدِ لحكمِ الله، وقيل: هي في اليهودِ خاصة، وقال ابن مسعودٍ والحسن: هي عامة، يعني فيمَن لم يحكم بما أنزلَ الله وحكمَ بغيرِه، مُخبِرًا أنّه حكمُ الله تعالى، قَالَ طَاوُوس: هُوَ كُفْرٌ دُونَ كُفْر، وَلَيسَ كُفرًا يَنقُلُ عَنِ الْإِيمَانِ، وقال طاووس عن ابن عباس: ليسَ الكفر الذِي يذهبونَ إليه، في قوله: (وَمَن لمْ يحْكُم بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ همُ الكافِرُونَ)، وقال ابن جريج عن عطاء: كفرٌ دونَ كفر، وظلم دونَ ظلم، وفسقٌ دون فسق، وقال علي بن حسين رضيَ الله عنهما: ليسَ بكفرِ شركٍ، ولا ظلم شركٍ، ولا فِسق شركٍ.

قال: وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجاهد، وَالْحسن، وقال ابْنِ عبّاس مرة: هو محمولٌ على التغليظِ، وأنّ الكفر المراد به المعصية، قال: "وقد تأوّلت الخوارجُ هذه الآية على تكفيرِ مَن تركَ الحكمَ بما أنزلَ الله من غيرِ جحودٍ لها، وأكفَرُوا بذلك كلَّ مَن عصَى الله".

وقال أبو محمد ابن عطية، في المحرر الوجيز: "اختلف العلماء في المرادِ بقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)، فقالت جماعة: المرادُ اليهود، وروي في هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، من طريق البراء بن عازب".

قلت: هو في صحيحِ مسلم.

قال ابنُ عطية: "والقول الثاني أنها متناولةٌ كلّ مَن لم يحكُم بما أنزلَ الله، ولكنّه في أمراءِ هذه الأمةِ كفرُ معصيةٍ، لا يخرجهم عن الإيمان".

وقوله: (في أمراء هذه الأمة) تصريحٌ منه، بأن قولهم كفر دون كفر محمولٌ على  ما يُفرض من قبل الحكام على العامة، يلزمون به الناس، كما يُلزمونهم اليوم بالقوانين، لا أنه في مسائل فردية خاصة .

ثم قال: "وَقِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ رَدّا لِلْقُرْآنِ، وَجَحْدًا لِقَوْلِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَهُوَ كَافِرٌ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ"، ثم قال: "والصّحيحُ الأوّل"، أي أنّه يتناول كلّ مَن لم يحكم بما أنزل الله، ولكنه في أمراء هذه الأمة كفرُ معصية.

وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن:

"قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ: هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالْكُفَّارِ، أَي: مُعْتَقِدًا ذَلِكَ وَمُسْتَحِلًّا لَهُ، فَأَمَّا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ مُعْتَقِدٌ أَنَّهُ رَاكِبُ مُحَرَّمٍ فَهُوَ مِنْ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ"، وقال القرطبي: وهو كلامُ ابن العربي في  أحكام القرآن بحروفه: "إِنْ حَكَمَ بِمَا عِنْدَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَهُوَ تَبْدِيلٌ لَهُ يُوجِبُ الْكُفْرَ، وَإِنْ حَكَمَ بِهِ هَوًى وَمَعْصِيَةً فَهُوَ ذَنْبٌ تُدْرِكُهُ الْمَغْفِرَةُ، عَلَى أَصْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْغُفْرَانِ لِلْمُذْنِبين".

وقال ابن تيمية: "قال ابن عباس رضي الله عنهما، وغير واحد من السلف: كفرٌ دون كفر، وفسقٌ دون فسق، وظلمٌ دون ظلم، وقد ذكر ذلك أحمد والبخاري وغيرهما" [مجموع الفتاوى:7/522].

وقال ابن القيم: "والصحيح: أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين: الأصغر والأكبر، بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانًا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة؛ فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مُخيّر فيه، مع تيقُّنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر" [مدارج السالكين:1/336].

وبنحو ما تقدم قال عامة الفقهاء؛ من الحنفية والمالكية والشافعية والإمام أحمد، ومِن علماء العصر، الذين قالوا في فتاويهم عن الحكم بالقوانين الوضعية بهذا، وفرّقوا بين المستحل وغير المستحلّ؛ ومنهم ابن إبراهيم وابن باز وابن عثيمين والألباني والشنقيطي، ولولا الإطالة لذكرت أقوالَهم.

أمّا ما نقله (صاحب التعقيبات) عن ابن كثير وابن تيمية، فهو في القانون الذي كان في وقتهم، قانون جنكيزخان (الياسق)، وهذا لا يُختلفُ في كفر القائلِ به؛ لأنّ الياسقَ يصرحُ بمعارضته للشريعة، ويسوي بينها وبين غيرها، ويطعن في النبوة.

وكلام المعاصرين؛ كالشنقيطي وغيره، هو من الموافقة لمن تقدمهم عن الياسق، وتنزيله على القوانين المعمول بها في وقتنا غير مُسَلَّم؛ لأنّ الشنقيطي نفسَه في موضع آخرَ من أضواء البيان (1/408) يقول: "واعلم؛ أنّ تحرير المقال في هذا البحث: أنّ الكفر والظلم والفسق، كل واحدٍ منها ربّما أطلق في الشرع مرادًا به المعصية تارة، والكفر المخرج من الملة أخرى؛ ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ﴾ معارضةً للرسل، وإبطالًا لأحكام الله؛ فظلمه وفسقه وكفره كلها كفرٌ مخرج من الملة، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ﴾ معتقدًا أنه مرتكبٌ حرامًا، فاعل قبيحًا، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرجٍ مِن الملة".

شبهات وتوضيحها:

هذه شبهات تورد على الاستدلال السابق، بأن كفر من حكم بِغَيْرِ ما أنزل الله غير مستحلّ كفرُ معصية، لا يخرج عن الملة، لزم توضيحها، وهي كالآتي:  

الأولى - قالوا إن قول السلف: (كفرٌ دون كفر)، محمولٌ على عامة الكبائر؛ كالزنا وشرب الخمر، وعلى مَا صدر من أحد الناس في خاصة نفسه، فحكمَ في مسألة بغير ما أنزل الله، لا على التحاكُم إلى القوانين الوضعية، التي يفرضُها الحكام والأمراء.

فإنّ فرضَ الحكامِ والأمراء القوانينَ المخالفةَ للشريعة للحكمِ بها، هو كفرٌ أكبر، لا يُشترطُ فيه الاستحلال؛ كما لم يُشترط في سبِّ النبيّ صلى الله عليه وسلم الاستحلال.

- أقول: هذا التفريق مخالف لكلام السلف المتقدمين في تفسير الآية، من وجهين:

الأول: أن المتقدمين لم يذكروا هذا التفريق بين الاحتكام الجزئي والاحتكام العام، المفروض من الحكام والأمراء، بل إن ابن عطيةَ - كما تقدم - ذكر بأنه (في أُمراءِ هذه الأمةِ)، فهو صريح في أنّ ما ورد عن ابن عباس وغيره من قولهم كفر دون كفر، محمولٌ على ما يُفرض على الكافةِ مِن قِبل الحكام والأمراءِ، كما هو الحالُ في القوانينِ الوضعية، التي يفرضُها الحكام، قال ابن عطية فيما نقله عن ابن عباس وغيره، كفرٌ دون كفر: (ولكنّه في أمراءِ هذه الأمة كفرُ معصية، لا يخرجهم عن الإيمان).

الثاني: أنّ المتقدمين ذكروا الفرق بين مسألةِ سبّ النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: لا يشترط فيها الاستحلال، وبين مسألةِ الحكم بغير ما أنزل الله، واشترطوا فيها الاستحلال؛ كما تقدم عن ابن عباس وابن مسعود وعامة الفقهاء.

الثانية - قالوا إنّ القوانين الوضعية بمنزلة (الياسق) قانون التتار، فكل ما قاله العلماءُ في الياسق من الكُفريات، ينطبقُ على القوانين التي يضعها الحكّام.

قلت: التسوية بين القوانين الوضعية والياسق غير صحيح؛ لأنّ الياسق نصوصه  تصرحُ بكفره، فهو كتاب لا يعترف بالدِّين، وينص على أن الأديان كلها سواء، وبه خلط وتلفيقٌ من ديانات متعددة، ولا فرق بين إسلام ولا غيره، وَبِه كفريات أخرى كثيرة، فهو يتحدّى شرع الله، ويطعن في النبوة، فلا وجه للمقارنة بينه وبينَ مَن خالف شرع الله في الحكم، ولم يستحلّ ذلك.   

ولو وجد شيءٌ مِن هذا في أي قانون وضعيّ، فلا شك في كفرِ واضعه، وكفرِ التحاكُم إليه.

الثالثة - قالوا إنّ مَن حكمَ بغيرِ ما أنزل الله، هو بمنزلة من ذبح لغير الله، أو سجد لصنم، أو سبّ النبي صلى الله عليه وسلم، أو وَطِئ المصحفَ؛ لا يشترط في كفره الاستحلالُ، بل يكفرُ بمجردِ وقوع الفعل.

قلت: هذه التسوية غير صحيحة، فهناك فرق بين الأمرَين، يجبُ التنبه إليه.

فالأُول - وهو الحكم بِغَيْرِ ما أنزل الله، مِن كفر العمل، الذي هو كفرٌ دون كفر، لا يُخرج عن الملةِ إلا مصحوبًا باعتقاد الجحودِ والاستحلال، كالكفرِ الواردِ في السنة بقتال المسلم، وضرب الناس بعضهم رقاب بعض، وكنفي الإيمان عن الزاني وشارب الخمر، الوارد في السنة.

والثاني؛ وهو سبّ النبي صلى الله عليه وسلم، وما ذكر معه، هو مِن كفر الاعتقاد، أو كفر العمل الذي يضادّ الإيمان من كل وجه، لا يشترط فيه إلا إرادةُ النطق باللفظ، أو إرادة الفعلِ المضاد للإيمان، ولا يشترط فيه أنّ صاحبَه أرادَ أن يكفرَ أو يجحدَ، أو لم يُرد.

والقاعدة العامة في الفرق بين مَن يُقبل منه العذر بالنيةِ في الشركيات، ومن لا يُقبل؛ أنّ من فعلَ فعلا لا يحتملُ إلا الشرك؛ كسبّ النبي صلى الله عليه وسلم، والسجود للصنم، لا يقبل منه أنه أراد غير ذلك، بخلاف مَن فعل فعلا يحتمل الكفرَ وغيره، فيقبل منه العذر أنّه لم يرد الشرك؛ لأن الحكم بالتكفير لا يكون إلا بأمر محقق، ولذلك قبل النبي صلى الله عليه وسلم من حاطب أنه لم يرد مناصرة المشركين، ولا خيانة المسلمين؛ لأن فعله محتمل، ولم يقبل القرآنُ العذرَ من المنافقين، في  استهزائهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حين قالوا: (إنّما كنّا نخوض ونلعب)؛ لأنّ استهزاءهم بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يحتمل غير العداء للدين، فهذا هو الفرقُ بين القاعدتين، ينبغي التنبه إليه.  

ولذا اتفق أهل العلم على أن من استهان بالمصحف أو سب الأنبياء، لا يشترط في كفره الاستحلال، ولا بُغض النبي صلى الله عليه وسلم، في حين أن الصحابة ومَن بعدهم من التابعين من أهل التأويل جميعا، اشترطوا في كفر من حكم بغير ما أنزل الله الاستحلال والجحودَ، وإلا كان كفرًا دون كفر، وذكروا أن الذين يقولُون بكفره مطلقًا هم الخوراج.

 

هذا ما أردت توضيحه، عسى الله تعالى أن ينفع به، جمعَ الله كلمتنا على الحق، وألَّفَ بين القلوب، والله تعالى أعلم.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه

 

وكتبه: الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

الإثنين 27 جمادى الأولى 1437 هـ

الموافق 7 مارس 2016م

 

التبويبات الأساسية