آية وعبرة - وشاورهم في الأمر

بسم الله الرحمن الرحيم

آية وعبرة  - وشاورهم في الأمر

 

قال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)[آل عمران:159].

الشورى مأمورٌ بها في القرآنِ، ومحلها المصالح العامة للأمة، وفي كلّ شأنٍ من شؤونِها، مما ليس فيه وحي من الله، وعلى رأسِها أمر الحرب والسياسة.

والأمرُ بها عامٌّ موجهٌ لكلِّ ولاةِ الأمرِ، ولا دليل على تخصيصِ الأمرِ بها بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو أمرٌ للوجوب، على الصحيح مِن أقوال أهل العلم؛ وهو قولُ مالكٍ وأصحابه، ولم يأتِ في الأمر بها تحديدٌ بكيفيةٍ خاصةٍ، ولا عددٍ معينٍ، ممّا يدلُّ على أن الأمرَ بها فيه سعةٌ، للناسِ أن يختاروا منه في كلّ وقتٍ ما يناسبهم، ويحقّقُ المصلحةَ المرجوةَ منها، وقد شاورَ النبيّ صلى الله عليه وسلم في بدر، بعدَ أن خرجَ بالناس، وشاورَ في أُحد قبلَ أن يخرج، وشاورَ الجيشَ كلّه في قسمة غنائمِ هوازن، ثم جعلَها في عُرفائِهم؛ ليرفعوا إليهِ أمرهم بعدَ التشاور فيما بينهم، وتشاورَ كبارُ المهاجرين والأنصار على استخلافِ أبي بكر، وجعلَها عمرُ في ستةٍ من خيارِ الصحابةِ، وجعل الرقابة عليهم لخمسينَ من الأنصار، فهذه نماذج من كيفياتها، تدلّ على ما فيها مِن سعة ومرونةٍ.

والشورى سنةُ ولاةِ الأمرِ مِن الخلفاء والأمراءِ، بعدَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وكانوا يخصّون بالمشورة الأمناءَ مِن أهلِ العلمِ والدينِ.

قال البخاريّ في الصحيح: وكان الأئمةُ بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم يستشيرونَ الأمناءَ مِن أهلِ العلم، وكان القراءُ أصحاب مشورةِ عمر؛ كهولًا أو شبانًا، وكان وَقّافًا عند كتابِ الله.

وجعلها ابن عطية مِن قواعدِ الشريعةِ، وعزائم الأحكام، ومَن لا يستشيرُ أهلَ العلمِ والدينِ فعزلُه واجبٌ، قال وهذا ممّا لا اختلافَ فيه، وتوجيه كلامِه أن الوصولَ إلى الصوابِ في مصالحِ الأمة واجبٌ، وما لا يتمُّ الواجب إلّا بهِ فهو واجب.

والمشورةُ وإن كانت تتنوعُ بتنوعِ التخصُّصات؛ فإنه يجبُ في جميعِ الأحوالِ ألّا يُستشارَ إلّا النُّصحاءُ الأُمناءُ، مِن أهلِ الأمانةِ والديانةِ، كلٌّ فيما يعلمه ويُتقنُه؛ لقول الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أهلَ الذّكرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعلمُونَ)[النحل:43].

فالعلماءُ يشَاوَرون في أمرِ الدينِ، ووجوهُ الجيشِ في أمرِ الأمنِ والحرب، وأهلُ الاقتصادِ والسياسة في شؤون المالِ والسياسة، وهكذا. 

ويجبُ على ولاةِ الأمرِ أن يتفقَّدوا أهلَ مشورتِهم، من وقتٍ لآخر، يتفقّدونَ نصحَهُم وأمانتَهم وصدقَهم؛ لإبعادِ مَن يشتبهونَ في أمرِهِ، أو تَتغيَّرُ حالُه؛ لأنّ فسادَ الحاكمِ شرٌّ، ولا يُؤتَى الحاكم إلّا مِن بطانتِه ونصحائِه؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا)[آل عمران:118].

قوله: (فَإذَا عزَمت فَتَوكّل علَى الله إنَّ اللهَ يحبُّ المتوَكّلينَ)[آل عمران:159]، عقبَ أن شاوَرْت وقلّبتَ الأمر، وبانَ لك وجهُهُ، وصِرتَ إلى رأيٍ راجحٍ فيهِ وعزم، بادرْ وامضِ لِما عزمتَ عليه، متوكلًا معتمدًا على الله، ولا تتردّد، فالترددُ هو آفةُ الآفاتِ، ومضيعةُ الأوقات. 

والعزمُ بعد المشورةِ هو ما فعلهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، عند خروجِه لأُحد، لابسًا لَامَةَ الحرب (الدّرْع)، فقد قال لمن حاولَ أن يثنيَه من أصحابِه عن عزمِه: (مَا ينبغِي لنبيّ لبسَ لامَتَهُ أنْ يضعَها حتّى  يقضيَ اللهُ بينَه وبينَ عدوّه)[البيهقي:12289]. 

فاللهُ يحبّ التوكلَ عليهِ، والاستعانةَ بهِ، والاعتمادَ عليه، وإسنادَ القدرةِ الفاعلةِ الكاملةِ إليه، لكن معَ إعداد العدّةِ، والأخذِ بالقوةِ، التي أمرَ الله بِها، دونَ التهاون والتفريط والتضييعِ، هذا هو معنى التوكلِ علَى الله، الذي حرّف معنَاه فريقانِ:

فريقٌ تركوا العملَ، وتعلقوا في تركه تعلقَ الفلاسفةِ، فاستسلَموا للقدرِ قبلَ وقوعِه، ولم يأخذوا بالأسبابِ على الوجهِ الذِي أمرَ به الله تعالَى، فتركوا ما أمرُوا به، في قولِه تعالى: (وقُل اعمَلُوا) وقوله: (فانتشِرُوا فِي الأرضِ وابْتغُوا مِن فضلِ الله)[الجمعة:10]،

وتعلقُوا بما نُهوا عنه، الذي رَدّ اللهُ تعالَى بهِ المشركين حينَ قالوا: (لَو شاءَ الرّحمَنُ مَا عبَدنَاهُم)، بقولِه: (مَا لهُم بِذلكَ مِن علمٍ إنْ هُم إلّا يَظُنونَ)[الزخرف:20].

فالمؤمنُ مكلفٌ يبذلُ جهده وألا يفرطُ، فإذا عجز ولم يوفّق؛ استسلمُ لحكمِ اللهِ، ورضي بقضائِه، فيؤجَرُ مرّتينِ؛ مرةً لسعيهِ، ومرةً لرضاه وإيمانِه، كما أن المومن مكلف ألَّا يحزنَ على ما فاتَه، ولَا يفتحَ على نفسهِ عملَ (لو)، فيقول: لو عمِلت كذَا لكانَ كذا؛ فإنّ لو تفتَحُ عملَ الشيطانِ، كما قال صلى الله عليه وسلم [مسلم:2667].

والإيمانُ بالقدر والرضى به بعد وقوعه؛ هو القدْر الوارد فيما يجبُ الإيمان به، ومِن فوائِده أنهُ يُدخلُ على النفسِ راحةً وطمأنينةً، وينتشلُها مِن غمِّ الفَوتِ، وكمدِ الحزنِ، وحسرةِ الندمِ.

الفريق الآخر ممّن حرّفوا التوكلَ؛ باسم الزهد والتصوف ، فهؤلَاء حرّفوا معنى التوكّلِ، فحوّلوهُ إلى بطالةٍ،، فأفسَدوا الدينَ بهذا الفهم السقيم، وعاشُوا على كدِّ الآخرينَ، وتسلطُوا على أموالِهم وجيوبهم، فمن يُنفقون عليهم ويأكلون أموالهم هُم خيرٌ منهم.

 

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

الأحد 20 ذو الحجة 1436 هـ

الموافق 4 أكتوبر 2015م

 

التبويبات الأساسية